جلال الدين السيوطي

94

حسن السمت في الصمت

* وأخرج ابن أبي الدنيا عن شيخ من قريش , قال : " قيل لبعض العلماء إنك تطيل الصمت , قال : ( إني رأيت لساني ) ( 1 ) سبعًا ( عقورًا ) ( 2 ) " أخاف أن أخلي عنه " ( 3 ) . . . ( فيعقرني ) ( 4 ) " ( 5 ) . * وأخرج ابن أبي الدنيا عن " وهب بن منبه " ( 6 ) , قال : " كان في بني ( إسرائيل ) ( 7 ) رجلان بلغت ( عبادتهما ) ( 8 ) أن مشيا على الماء , فبينما هما يمشيان في ( البحر ) ( 9 ) إذا هما برجل يمشي في الهواء , فقالا له : يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة ؟ قال : بيسير من الدنيا فطمت نفسي " عن " ( 10 ) الشهوات وكففت لساني عما لا يعنيني ورغبت فيما دعاني إليه , ولزمت الصمت " فإن " ( 11 ) أقسمت على الله أبر قسمي , وإن سألته أعطاني " ( 12 ) .

--> ( 1 ) سقطت من المطبوعة , وما أثبتناه عن " م 1 " و " م 2 " , وهكذا ورد في كتاب الصمت لابن أبي الدنيا . ( 2 ) في " م 1 " و " م 2 " عقورٌ . ( 3 ) في م 1 " إذا خلا عنه " والصواب ما أثبته . ( 4 ) في المطبوعة " فيعقورني " , ولعله سهو . ( 5 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في " الصمت ( 366 , رقم : 703 ) . ( 6 ) في م 1 " وهب بن أبي منبه " والصواب ما أثبته . ( 7 ) سقطت من " ب " ( 8 ) في المطبوعة " بهما عبادتهما " , وما أثبتناه عن " م 1 " و " م 2 " . ( 9 ) في " ب " و " ل " و " ط " الحر . ( 10 ) في م 1 " من " والصواب ما أثبته . ( 11 ) في م 1 " فأنا " , والصواب ما أثبته . ( 12 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في " الصمت " ( 383 - 384 , رقم 754 ) . والله سبحانه وتعالى يبر قسم الضعفاء المتضعّفين , عن حارثة بن وهب قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا أخبركم بأهل الجنة ؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره , ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتل جواظ مستكبر " أخرجه البخاري في صحيحه ( 4918 ) , ومسلم في صحيحه ( 2853 ) . والضعيف هو من نفسه ضعيفة لتواضعه وضعف حاله في الدنيا , والمستضعف المحتقر لخموله في الدنيا . قاله ابن حجر في " فتح الباري " . قال ابن عثيمين - رحمه الله - في شرحه لرياض الصالحين : " إن الإنسان يكون ضعيفًا متضعفًا , أي لا يهتم بمنصبه أو جاهه , أو يسعى إلى علو المنازل في الدنيا , ولكنه ضعيف في نفسه متضعف , يميل إلى الخمول وإلى عدم الظهور - ليس قصد الشيخ رحمه الله الخمول الذي بمعنى الكسل وإنما الخمول عن الظهور بين براثن الشهرة وأضواء الانتشار بين الناس - لأنه يرى أن المهم أن يكون له جاه عند الله عز وجل , لا أن يكون شريفًا في قومه أو ذا عظمة فيهم , ولكن همه كله هو أن يكون عند الله سبحانه وتعالى ذا منزلة كبيرة عالية ؛ ولذلك نجد أهل الآخرة لا يهتمون بما يفوتهم من الدنيا , إن جاءهم من الدنيا شيء قبلوه , وإن فاتهم شيء لم يهتموا به , لأنهم = = يرون أن ما شاء الله كان , وما لم يشأ لم يكن , وأن الأمور بيد الله , وأن دوام الحال من المحال , وأنه لا يمكن رفع ما وقع ولا دفع ما قدر إلا بأسباب الشرعية التي جعلها الله تعالى سببًا . وقوله : " لو أقسم على الله لأبره " يعني لو حلف على شيء ليسر الله له أمره , حتى يحقق له ما حلف عليه , وهذا كثيرًا ما يقع ؛ أن يحلف الإنسان على شيء ثقةً بالله عز وجل , ورجاء ثوابه فيبر الله قسمه , وأما الحالف على الله تعاليًا وتحجرًا لرحمته , فإن هذا يخذل والعياذ بالله " ا . ه‍ ( " شرح رياض الصالحين " 2 / 136 ) . قلت : ومن الأسباب الشرعية التي تدفع البلاء " الدعاء " فعلى الإنسان أن يدعو ربه كثيرًا فإن لم يجب الله له مسألته التي سأله إياها قد يدفع الله عنه ضررًا قد كتبه عليه . وضرب ابن عثيمين - رحمه الله - مثالاً لكل حالة من حالتي القسم على الله , الحالة الأولى : من يقسم على الله أملًا في رجائه وعفوه وقدرته متيقنًا من داخله أن الله قادر على كل شيء وأن إرادته بين الكاف والنون , إن أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون . وضرب مثلًا للحالة الثانية : والتي فيها يقسم الناس على ربهم تعاليًا منهم , واستبعادًا لرحمة الله جل وعلا , معجبين بأنفسهم . يقول العلامة ابن عثيمين : " وهاهنا مثلان : المثل الأول : أن الربيع بنت النضر وهي من الأنصار , كسرت ثنية جارية من الأنصار , فرفعوا الأمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فأمر النبي أن تكسر ثنية الربيع ؛ لقوله تعالى ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) . . . إلى قوله ( والسن بالسن ) فقال أخوها أنس بن النضر : والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع , فقال - صلى الله عليه وسلم - : " يا أنس كتاب الله القصاص " فقال : والله لا تكسر ثنية الربيع . أقسم بهذا ليس ردًّا لحكم الله ورسوله , ولكنه يحاول بقدر ما يستطيع أن يتكلم مع أهلها حتى يعفوا ويأخذوا الدية أو يعفوا مجانًا دون دية , كأنه واثق من موافقتهم , لا ردًا لحكم الله ورسوله , فيسر الله سبحانه وتعالى فعفى أهل الجارية عن القصاص , فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " . وهنا لا شك أن الحامل لأنس بن النضر هو قوة رجائه بالله عز وجل , وأن الله سييسر من الأسباب ما يمنع كسر ثنية أخته الربيع . بنفسه أما المثل الثاني : الذي أقسم على الله تألِّيًا وتعارضًا وترفعًا , فإن الله يخيب آماله , ومثاله : ذلك الرجل الذي كان مطيعًا لله عز وجل عابدًا , يمر على رجل عاص , كلما مر عليه وجده على المعصية , فقال : والله لا يغفر الله لفلان , حمله على ذلك الإعجاب بنفسه , والتحجر بفضل الله ورحمته , واستبعاد رحمة الله عز وجل من عباده . فقال الله تعالى : " من ذا الذي يتألّى علي ألّا أغفر لفلان , قد غفرت له , وأحبطت عملك " , فانظر الفرق بين هذا وهذا " . أ . ه‍ ( شرح رياض الصالحين 2 / 137 ) . فاللهم اجعلنا من الضعفاء الذين يرجون لقاءك ويحبون رؤية وجهك الكريم , ويرضون من الدنيا بالقليل , ويعملون بما أوتوا من قوة لكسب رضاك , واجعلنا ممن يعملون بسنة نبيك ومن القائمين عليها . وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لم أقسم على الله لأبره " . رواه مسلم ( 2622 ) . والأشعث هو ذلك الرجل شديد الفقر الذي لا يجد ما يدهن به شعره من زيوت وغيره , ولا يجد حتى ما يرجل به شعره , وهو عديم القيمة بالنسبة إلى الناس حتى إنه " مدفوع بالأبواب " أي : إن ذهب إلى باب أحدهم فإنه يدفع الباب في وجهه لقلة قيمته عند أولئك الناس , ولكن قد تكون له قيمة كبيرة عند الله بماذا ؟ بأعماله الصالحة وتقواه , وخوفه من الله في كل الأوقات وفي جميع الأماكن , وليس من الضروري أن كل أشعث أغبر يقسم على الله فيبر الله قسمه , إذ المقياس هنا هو قدر قربه من الله وقدر ثقته بربه , ومعاملته مع ربه كيف هي , فإن حسنت أبر الله قسمه وإلا ما أبر قسمه .